شيوخ الطريقة

الشيخ الشيخان بن محمد بن الطلبه

ولد رضي الله تعالى عنه في شهر شوال, على أصح الروايات, عام 1325هـ الموافق لسنة 1907م, في منطقة «لعقل»، في الجنوب الغربي من موريتانيا، على بعد 40 كلم شمال قرية اركيز حيث توجد مضارب عشيرته من العلويين ولما بشر جده, تاج العارفين وزينة المتقين, الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الحافظ بمولده أشار عليهم بتسميته أحمد محمود. وقبل أن يمضى على مولده الميمون، حوالي أربعين يوما، كان جده رضي الله تعالى عنه قد لبى نداء ربه وانتقل إلى جواره، فذهبت والدته لحضور الصلاة عليه و تشييع جثمانه الشريف و كانت تحمل المولود الجديد على رقبتها بكل رأفة و حنان و تخشى أن يبكي فيشوش على أهل الموكب الذين حضروا جنازة الشيخ .
واتفق أنه كانت في الحي امرأة صالحة, رأت في المنام في تلك الليلة والدة المترجم له وهي تحمل على رقبتها، كل من السيدين الجليلين الشيخ أحمدو بن الشيخ محمد الحافظ الملقب «من» و الشيخ أحمد بن بدي ولد سدين الملقب «آب» فلما قصت الرؤيا المباركة على والديه علما أن سيكون لهذا المولود شأن، و أي شأن، فجمعا له بين اللقبين و أسمياه «من آب» و هو الاسم الذي ظل يخاطب به حتى قدم على الشيخ إبراهيم رضي الله تعالى عنه فسماه الشيخان .
وأمه هي العالمة الفاضلة التقية النقية خدجة بنت محمد الحافظ بن سيدي أحمد الخليفة . كانت رضي الله عنها من القانتين .
عرف عنها قوة الشخصية ورزانة العقل والشفقة على المساكين ومواساة الأرحام والإنفاق في سبيل الله. فرب ذات حجال أبهرت فحول الرجال :
وما التأنيث في اسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال .
كان الشيخان برا بها لا يخالف لها أمرا. وكان يضطجع بين يديها ويطلب منها أن تطأ بقدميها على رأسه ويقول لها: الجنة تحت أقدام الأمهات..
مولده رضي الله عنه :

أسهى وأسهـر من تذكارهـا مقـلى
برق تألق وهنا من حـمى “الـعـقـل”

ولد رضي الله تعالى عنه في شهر شوال, على أصح الروايات, عام 1325هـ الموافق لسنة 1907م, في منطقة «لعقل»، في الجنوب الغربي من موريتانيا، على بعد 40 كلم شمال قرية اركيز حيث توجد مضارب عشيرته من العلويين.
ولما بشر جده, تاج العارفين وزينة المتقين, الشيخ أحمد بن الشيخ محمد الحافظ بمولده أشار عليهم بتسميته أحمد محمود .
وقبل أن يمضى على مولده الميمون، حوالي أربعين يوما، كان جده رضي الله تعالى عنه قد لبى نداء ربه وانتقل إلى جواره، فذهبت والدته لحضور الصلاة عليه و تشييع جثمانه الشريف و كانت تحمل المولود الجديد على رقبتها بكل رأفة و حنان و تخشى أن يبكي فيشوش على أهل الموكب الذين حضروا جنازة الشيخ .
واتفق أنه كانت في الحي امرأة صالحة, رأت في المنام في تلك الليلة والدة المترجم له وهي تحمل على رقبتها، كل من السيدين الجليلين الشيخ أحمدو بن الشيخ محمد الحافظ الملقب «من» و الشيخ أحمد بن بدي ولد سدين الملقب «آب» فلما قصت الرؤيا المباركة على والديه علما أن سيكون لهذا المولود شأن، و أي شأن، فجمعا له بين اللقبين و أسمياه «من آب» و هو الاسم الذي ظل يخاطب به حتى قدم على الشيخ إبراهيم رضي الله تعالى عنه فسماه الشيخان .
وأمه هي العالمة الفاضلة التقية النقية خدجة بنت محمد الحافظ بن سيدي أحمد الخليفة . كانت رضي الله عنها من القانتين. عرف عنها قوة الشخصية ورزانة العقل والشفقة على المساكين ومواساة الأرحام والإنفاق في سبيل الله .
فرب ذات حجال أبهرت فحول الرجال :
وما التأنيث في اسم الشمس عيب
ولا التذكير فخر للهلال .
كان الشيخان برا بها لا يخالف لها أمرا .
وكان يضطجع بين يديها ويطلب منها أن تطأ بقدميها على رأسه ويقول لها : الجنة تحت أقدام الأمهات .

نشأته رضي الله عنه :

تربى رضي الله تعالى عنه و ترعرع في حجر والديه في بيت عز وجاه وتقى و استقامة و علم وورع، رضع فيه ثدي العفاف والحلم والمروءة و الكرم, و نهل من محيط معينه و شرب من مختوم رحيقه، فنشأ في حفظ وصيانة و حياء و ديانة, محفوفا بالرعاية الأبوية محروسا بالعناية الإلهية، محفوظا بحفظ المولى مقبلا على الجد و العلى, سالكا سبيل الاجتهاد, آخذا أزمة الرشاد, متواضعا لكل العباد .
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة ثم اشتغل بتحصيل العلوم الأصولية و الفروعية حتى ارتوى من سلسبيلها و مسك أعنتها وزمامها و ارتقى ذروتها و سنامها، فترأس فيها و حصل معانيها و تبحر في فهمها, وكان فيها صدرا مقدما وسيدا معظما .
تردد رضي الله تعالى عنه بين من أدرك من العلماء و شيوخ المحاظر في منطقة عرف أهلها بالإقبال على العلم و التعلم. فدرس النحو و الأدب و اللغة والصرف على يد شمس السعادة و بدر الهداية، رأس العارفين و قطب الواصلين و إمام المحبين، أعجوبة الأيام و القدوة الهمام سيدي محمد فال ولد باب , و درس الفقه و الحديث والأصول على يد علماء بارزين من أمثال البركة الأجل الزاهد الورع الأمثل, الناسك الذاكر والحامد الشاكر، سيدي أباه بن أنحوي و العلامة الأجل و الدراكة الأكمل، بقية السلف وواسطة الخير في الخلف، ذي الفضائل العديدة و الأفعال الحميدة، سيدي الداه بن احمد فال و علامة الزمان و فريد الأوان، حامل لواء العلم و مشكاة الفضل و الكرم، ألمين بن سيدي .
كما كانت له اليد الطولي في علوم الطب حيث درس عمدة أوفى في الطب على حفيده أباه بن الشيخ محمد بن أوفى، و كانت له فراسة صادقة و رؤية ثاقبة في تشخيص الأمراض و مؤثراتها و أعراضها و طرق علاجها. و كان يقول في هذا المعنى :
رب داء شفيته كان أعيى
غير هذا وكنت امرؤ طبيبا

لقد ساعده في تحصيل كل هذه العلوم و التمكين فيها، دون كبير مكابدة ولا مشقة زائدة، ما تميز به من سمات النبوغ و الذكاء منذ أيام طفولته الأولى وما خصه الله به بعد ذلك من العلوم اللدنية وأعطاه من الفتوحات الوهبية، فما تعسر عليه مقصد أراده و لا توجهت همته إلى شيء إلا ناله، وهو الذي كان يقول :
وإني عبد الله والفضل فضله
و ليس لفضل الله عن عبده رد

الرحلة الميمونة الأولى إلى كوسى :

بدا لك سر طال عنك إكتتامه
و لاح صباح كنت أنت ظلامه

بعد أن أكمل من آب (الشيخان) تعليمه في تلك البيئة المحظرية الصوفية الطاهرة و نال نصيبه من تلك المنح الإلهية و المواهب الاختصاصية, سما به عزمه الأبي القوي وخلقه القويم السوي واستشرفت همته العلية وتاقت نفسه الزكية إلى الالتحاق بمصاف أهل الله تعالى بإتباع السادات الصوفية واقتفاء طريقهم والإنحياش إلى حزبهم وفريقهم :
و إذا كانت النفوس عظامـا
تعبت في مرادهـا الأجسـاد

لقد كان بوسع من آب (الشيخان) وهو الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم أن يخلد إلى الراحة و أن يشتغل كغيره بالتمشيخ ودعوى البركة والصلاح مستغلا نسبه الكريم ومواهبه العظيمة، لكن نفسه الأبية لم تطمئن إلى ذالك وهمته العلية لم ترض إلا بالأعلى، فالبئر لا يملؤها ما يسعه الكوب, فبقى يجاهد نفسه بين عبادة ظاهرة من صلاة وصيام وذكر وتلاوة وتعلم وبين عبادة باطنة من زهد وورع وخوف ورجاء وتسليم وتفويض .
عاش من آب (الشيخان) في هذا الجو النقي المستنير, محاطا بالعناية والتقدير, ساعيا في الإفادة والإستفادة ما بين ملازمة دروس وتحبير طروس . وكان من الممكن أن يبقى هكذا, لكن الله إذا أراد إعزاز عبد من عبيده وإظهار ما كساه من خصوصيته, ألهمه التوجه إليه بكليته وإفراغ قلبه من كل ما سواه وقطع العلائق بكل ما عداه, فظل من آب (الشيخان) يتضرع إلى ربه ويبتهل إليه أن يرزقه كمال معرفته العيانية الشهودية وأن يسمو به إلى تلك المجالات الإلهية الفسيحة التي عرف فيها الإنسان ربه, ففني فيه وبقى فيه وترقى وتدلى فيه, وآب منها بأسرار لا يفهمها إلا أهلها ولا تفشى إلا لهم، وقليل ما هم .
ولما أراد الله أن يصل به إلى ما هيأه له وان ينجز به أمرا كان قدره، وصلت إليه رسالة من حبه الأوفى وراحته اليمنى وخله الأسمى، ثاني وجوده و عيبته وقرينه ومحل أنسه و أنيسه، خازن سره ومحل وده وحافظ عهده، الماجد الأرضي والسابق المرتضى، خاتمة المحققين وفاتحة أهل اليقين، الشيخ الأكبر والبدر الأنور سيدي محمدو بن أنحوى رضي الله عنه، كتب له فيها من جملة ما كتب :
عاعيت لو ينفع الايعاء
يا عنز هذا شجر وماء

وهو بيت قديم، لأعرابي، وجد الشيخان فيه من التصريح بالعبارة والتلميح بالإشارة ما جعله كلما قرأه تواجد تواجدا شديدا وذرفت عيناه من الدموع المزيد، فذهب إلى والده وقال له : أما إني لا أرضى هذا الحجاب لنفسي ولا أحسبكم ترضونه لي, فإذا كان بوسعكم تربيتي بما يكشفه عني فافعلوا وإلا فأذنوا لي في الذهاب إلى هذا الشيخ الذي ظهر في أرض العجم. فرد عليه والده قائلا: ذلك لا ينبغي, وعمك على قيد الحياة! ونصحه بالتوجه إلى عمه الشيخ محمد سعيد وهو الخليفة آنذاك، فلما ردد عليه ما كان قاله لوالده أذن له بلا تردد وقال له: أذهب يا ولدى إليه و لا تنس عمك, فلو كان بوسعي أن أسبقك إليه لفعلت .
عقد من آب « الشيخان » العزم على السفر إلى بلاد السودان و بالذات إلى مدينة كولخ، إلى من طوى الله له فسيحات الخطى, إلى كل بر إليه امتطى, وأرخى له في العلم العنان وأكرمه بالمشاهدة والعيان, وقوى به من عرى الإسلام ما وهن, وأحيى به ما كان دارسا من الفرائض والسنن, وأذاب برؤيته حديد القلوب, وفتح به غياهب الأسرار والغيوب, إلى حضرة القطب الجامع لأشتات المعارف و الأسرار، الراقي في أوج المعالي بين الأخيار، علم الأعلام و سعادة الشهور و الأعوام، الوارث الرحماني و الإمام الرباني، كعبة العارفين و سراج المرشدين و إمام المربين، من أقامه الله رحمة للعباد ونورا و بركة في البلاد، تاج المشايخ الدال على الله بحاله ومقاله الداعي إليه بإذنه بخلاله وفعاله، بحر الندى وغوث البرايا، بهجة الأفاضل الكمل ونزهة الأواخر والأول, إمام أئمة أهل التحقيق و منارة أهل الهداية و التوفيق، إلى شيخنا و شيخ شيخنا ووسيلتنا إلى ربنا الشيخ إبراهيم بن الحاج عبد الله رضي الله تعالى عنه، إلى تلك الحضرة الهنيئة الزاهرة ذات المواهب المريئة الباهرة, إلى ملكوت العلم في عالم الملك, إلى البحر المحيط بكل سفينة وكل فلك, إلى مركز الفهوم والمعاني, إلى خليفة الختم التجاني, و ذلك للانخراط في سلكه و الدخول في ربقة ملكه .

سلم لسلمى و سر حيث سارت
و اتبع رياح القضا ودر حيث دارت

ولنترك من آب « الشيخان » يروى لنا لقاءه هذا مع الشيخ بعد أن كان زار كولخ عدة مرات قبل ذلك مع والده الخليفة محمد، حيث كان الشيخ يبالغ في إكرامهما و إنزالهما المنزلة اللائقة بهما و يعاملهما معاملة خاصة كدأبه مع كل من ينتسب “للشرفاء” و خاصة أبناء الشيخ محمد الحافظ الذين كان الشيخ يحبهم محبة عظيمة و يودهم المودة الجسيمة و يحض أصحابه على محبتهم و توقيرهم و الأدب معهم ويبين رفيع قدرهم و عظيم مجدهم، يقول من آب« الشيخان » لما رآني الشيخ مقبلا عليه تهلل وجه فرحا و قال: أهلا « الشيخان »، و هو أول من خاطبني بهذا الاسم الذي أصبحت فيما بعد لا أكاد أخاطب إلا به، و جذبني ليجلسني معه على السرير فرفضت و قلت : هذه المرة جئت مريدا، فأصر الشيخ على أن يجلسني معه و قال لي أنت الشيخ، قلت «كلا هذا فيما مضى أما الآن فأنت الشيخ و أنا المريد» و أنشدت هذه الأبيات :

أَلاَ اسْقِ أَوْمَقَ أَمْسَى دَائِمَ الْوَمَقِ
فَلْيُسْقَ بَعْدَ الظَّمَا صَهْبَاءَ صَافِيَّةً
صَدَّقْتُ بِالْفَيْضِ مِنْكَ مُذْ أَتَيْتُ وَلَمْ
وَأَنْتَ أَصْلٌ لِدَوْحَةِ الْمُرِيدِ نَدًى
بَحْرُ الْمِيَّاهِ كَفَى مِنْهُ الشَّرَابُ وَمِنْ
فَاعْطِفْ عَلَىقلبٍ أَمْسَىالْيوْمَ مُرتَتَجًا
مِنْ كَأْسِ صَافِيَّةٍ مِنْهَا سِوَاهُ سُقِي
يَكُونُ شَارِبُهَا سَكْرَانَ لَمْ يَفِقِ
يُنْكِرْ لِفَيْضِكَ عِنْدِي الدَّهْرَ غَيْرُ شَقِي
وَمِنْ نَدَى الأَصْلِ تُلْفَى كِثْرَةُ الْوَرَقِ
بَحْرِ الْمَعَارِفِ لاَ يَكْفِي سِوَى الْغَرَقِ
بِالْفَتْحِ عَطْفَ بَيَانٍ مِنْكَ أَوْ نَسَقِ

فرد عليه الشيخ ارتجالا وفي نفس الوقت قائلا :

فَجُدَّ صِدْقًا وَبِالْمَوْلَى الْكَرِيمِ ثِقِ
وَاعْلَمْ بِأَنَّ طَرِيقَ الشَّيْخِ ضَامِنَةً
وَمَدْفَعُ الشَّيْخِ أَعْنِي الْفَيْضَ مِنْ بُعُدٍ
وَالْحُبُّ مِنْكَ دَلِيلُ الْفَتْحِ إِنَّ فَتَى
كَذَاكَ مَنْ جَالَسَ الْجَذْمَاءَ خَيِّ يُجَذَّمْ
لَكِنَّمَا خَيْرُ بَابٍ أَنْتَ دَاخِلُهُ
وَاللهَ أَسْأَلُ لِلشَّيْخَيْنِ مَعْرِفَةً
يَا مَنْ لَهُ كُلًَّ أَصْلٍ فِي الْعُلاَ عَرِقِ
دَرْكَ الْوُصُولِ وَلَوْ فِي آَخِرِ الرَّمَقِ
يَرْمِي مَتَىفَاضَ كُلَّ الصَّحْبِ فِي الْغَرَقِ
مَعَ الْحَبِيبِ بِحَالٍ غَيْرِ مُفْتَرِقِ
وَالْجَلِيسُ لأَهْلِ الْخَيْرِ غَيْرُ شَقِي
ذِكْرُ الإِلَهِ في حَالِ الْفَرْدِ وَالْحِلَقِ
يَا رَبِّ فَاسْقِ الْمُنَى الشَّيْخَيْنِ فِي الطُّرُقِ

يقول الشيخان : وأنا قبل ذالك كنت أظن أن كل من فتح عليه يستطيع هو أن يفتح على غيره .

و لما وصل الشيخ إلى هذا البيت « لكنما خير باب أنت داخله» قلت في نفسي: أرجوا أن لا يكون يريد مني الجلوس مع هؤلاء «تكوره».
ظل الشيخان يتردد على الشيخ لمدة يومين طالبا تجديد الإذن في الطريقة على يده، والشيخ يمانع و يقول له أنتم أهل الطريقة، فلما تيقن أن الشيخان لن يبرح بابه حتى يحصل منه على مراده قال له مد يديك، و لما انتهى ما كان قرأه سرا، قال له : « دم على ما عندك فأنا ما عندي إلا ما عندكم » .
مكث الشيخان فترة التربية الأولى مع الشيخ في كوس .
مضت سنة و كأنها أيام و لسان الحال ينشد منه :

فشهور بالقرب منكم ليال
و ليال من بعدكـم أعوام

ثم أذن له الشيخ في العودة إلى الأهل بعد أن وصلته رسالة من الخليفة محمد، يطلب منه فيها أن يأذن له في الرجوع إلى الحي .
لكن الشيخان الذي طالت غيبته عن الأهل و كان من المفروض أن يحصل له الأنس بالعودة إليهم بعد طول غربة و اشتياق, لم يطب له المقام بين ذويه بل ضاقت عليه الأرض بما رحبت و تذكر مجالس الشيخ السنية و النظر إلى طلعته البهية واستوحش من كل شيء سواه ولم يكن له مبتغى إلا إياه, فصار الحنين دأبه و الشوق إلى كوس ديدنه، و صار يردد :

عَجَبًا دُونَ “كُوسِ” كَيْفَ جُلُوسِي
فَبِهِ كُنْتُ مُبْصِرًا ما لِحِبِّي
وَبِهِ فِي “مَدِينَ” قَدْ كَانَ أُنْسِي
فَلَكِ النَّفْسُ يَا “مَدِينَ” فِدَاءٌ
فََبِهِنْدِي أَفْدِيكُمَا وَرَبَابِي
وَفُؤَادِي وَمَنْ أَُحِبُّ “بِكُوسِ”
مِنْ وُقُوفٍ وَمَالَهُ مِنْ جُلُوسِ
وَارْتِيَّاحِي وَرَاحَتِي وَأَنِيسِي
وَفِدَاءٌ “لِكُوسِ” مِنْ كُلِّ بُوسِ
وَبِمَيِّي وَزَيْنَبِي وَلَمِيسِي

الرحلة الميمونة الثانية إلى كوس :

بلاد بها الحصباء در وتربها
عبير وأنفاس الرياح شمـول

لم يستطع الشيخان الصبر على فراق الشيخ فاستوحش أهله و ذويه ووجد نفسه غريبا بين إخوانه وعشيرته فعاد ـ والعود أحمد ـ إلى مدينة الشيخ ولسان حاله ينشد :
فلا حب أرض عاقني عن مزاركم
و لم أكن عنكم قد سلوت بغيركم

و لا حب مال في يدي و لا أهل
و لم أر شيئا كائنا عنكم يسلي

عاد الشيخان إلى « التربية » وما تقتضيه من رياضة للنفس و مجاهدة لها وهو الذي لم يألف المكابدة و لا الكد .
نزل بنفسه أرضا وسما بقلبه سماء .
تعلق بأوصاف الربوبية في باطنه وتحقق بأوصاف العبودية في ظاهره .
كان يعرف مطلبه فهان عليه ما تركه, وقديما قيل : ” من طلب الحسناء لم يغله مهرها “. سئل الجنيد رضي الله عنه كيف السبيل إلى الإنقطاع إلى الله تعالى فقال : بتوبة تزيل الإصرار وخوف يزيل التسويف ورجاء يبعث على مسالك العمل وإهانة النفس بقربها من الأجل وبعدها من الأمل, قيل له فبما ذا يصل العبد إلى هذا ؟ قال : بقلب مفرد فيه توحيد مجرد .
ترك الشيخان وراءه كل المشتهى وتأكد أن إلى ربه المنتهى فانقطع إليه بمراعاة حقوقه وقطع الحظوظ والعلائق عن نفسه وتخلق بأخلاق الزهاد والعباد وشمر عن ساعد الجد والإجتهاد .
استمع الشيخان مرة إلى جماعة من أتباعه يستعرضون ذكرياتهم في أيام التربية, فقال أحدهم إنه كان سافر مرة برفقة بعض المريدين في عير لشراء الزرع, فكان يخدمهم في الطريق مقابل إعطائه “الورقة” (الشاي بعد طبخه) ليتقوت بها .
وفي الطريق توقف لحاجة عرضت له, ولما انتهى منها ذهب يتعقب العير, فكان تارة يري الجمال تتعاقب الواحد تلو الآخر فيحسبها ليتأكد من عددها وتارة أخرى يراها كلها وكأنها جمل واحد وذلك حسب الزاوية التي ينظر إليها منها, فيتسائل أين ذهب باقي الإبل ؟ فمكث برهة يتفكر كيف لجمل واحد أن يحجب مقطورة من الإبل وكأنها اجتمعت فيه وحده مع أن الإبل تزيد على العشرين وحتى لو كانت ألفا أو ألف ألف, أيصح أن يجتمع الجمع في الواحد ؟ وقال أخر : ـ أحسبه إسلم بن المنجى رحمه الله ـ أن أصعب ما عاناه كان يوم أن غضبت عليه الخادمة “ليجه” ومنعته القرارة (لكراطة) ما يبقى في القدر ويلزق بقعره بعد طبخ الطعام فيه, لمدة طويلة وذلك لأنه كان قد استعجلها مرة فضربته بالمسوط “المرغاية” (آلة لدلك “العيش”) على جنبه فلما أخبر الشيخان بذالك عاتبها عتابا شديدا فكانت ردة فعلها أن حرمته من” لكراطة ” . ثم التفت إسلم بن المنجى نحو الشيخان وسأله : هل خدم الشيخ بنفسه في فترة التربية ؟ فقال له : إنه يتذكر مرة ناداه الشيخ وأمره بالذهاب للبحث عن قطيع من الغنم ضل طريقه ولم يعد إلى الحظيرة .
فذهب يتعقب آثارها, وكانت نعاله مصنوعة من الخشب وسيورها من الجلود ولم يكن بوسعه السير بها لفترة طويلة فوضعها تحت إبطه ومكث ثلاثة أيام بلياليها في الفلاة يبحث عن القطيع قبل أن يجده ويعود به إلى “مدينة” وهو منهك من التعب .
فلما وصل خرج عليه الشيخ وهو يبتسم ويقول له : “هديت وكفيت”, فنسي الشيخان ما كان يعانيه من الجوع والعطش وألم وخز الشوك, لكنه مكث فترة طويلة وهو يعالج قدميه المتورمتين .
فالأمر العظيم لا ينال بالهوينا, وفي سبيله يذل العزيز ويبذل النفيس وتتجشم المشاق ويقاسى الضر ويهون الصعب, فالحياة محن وأتعاب, وحمل النفس على حمل المشاق مدرحة إلى الشرف .
مر به الشيخ ذات يوم وهو وبعض أصحابه من المريدين ينبشون الأرض علهم يجدون حبات من البذور يسدون بها رمقهم و كان الزمن فيه ضيق و شدة والرزق فيه عسر والعيش فيه نكد, وكان البلد ماحلا و العالم يعيش أزمته الإقتصادية الكبرى ، فخاطبهم قائلا « أراكم ملوك الأرض لا شك فازهدوا » .
وجده الشيخ مرة يطالع كتابا فناداه : “الشيخان! أترك عنك آبار الناس و أحفر لنفسك بئرا”.
و ذات يوم دخل على الشيخ و أنشده هذه القطعة :
أَيَا سَيِّدِي بِاللهِ مَالِيَّ قَدْ أُمْسِي
عَلَى أَنَّنِي أَرْجُو بِكُمْ فَوْقَ مَا بِهِ
وَذَلِكَ أَنْ أُسْقَى كُؤُوسَ مَحَبَّةٍ
وَتُنْفِي حِجَابَ النَّفْسِ عَنِّيَ مِثْلَمَا
فَكَأْسُكُمُ لِلأَرْضِ مِنْهَا نَصِيبُهَا
فَإِنِّي عَلَى كَاسَاتِكُمْ مُتَطَفِّلٌ
وَأَرْجُو بِكُمْ إِصْلاَحَ قَلْبِي وَقَالَبِي
فَقَلْبِي إِلَى الإِصْلاَحِ أَحْوَجُ بَاطِنًا
وَأَرْجُو عُلُومًا مِنْكَ بَاطِنَةً لَهُ
وَمَالِي إِلاَّ حُبُّكُمْ وَتَعَلُّقِي
إِلَهِي بِبَرٍّ هَامَ فِيكَ وَسِرِّهِ
وَجَعْلِكَهُ فَرْدًا وَشَيْخًا مُرَبِّيًا
بِحَضْرَتِهِ اجْعَلْنِي حَقِيقًا وَمَنْ يَكُنْ
هُنَالِكَ تَنْسَى النَّفْسُ لِلنَّفْسِ حَبَّذَا
صَلاَةٌ وَتَسْلِيمٌ مَدَى الدَّهْرِ لَمْ تَزَلْ
وَأُصْبِحُ يَوْمِي فِي الْحِجَابِ اقْتَفَى أَمْسِي
أُحَدِّثُ نَفْسِي أَوْ تُحَدِّثُنِي نَفْسِي
تُزِيلُ صُدَاعَ الْقَلْبِ مِنِّيَ وَالرَّأْسِ
نَفَى “كَاشِفُ الأَلْبَاسِ” مَا كَانَ مِنْ لَبْسِ
أَمَالِي نَصِيبُ الأَرْضِ مِنْ تِينِكَ الْكَأْسِ
وَلََمْ يََكُ عِنْدِي فِي التَّطَفُّلِ مِنْ بَأْسِ
وَدِينِي كَمَا أَصْلَحْتُمْ الْكُلَّ مِنْ جِنْسِي
لِمَا فِيهِ مِنْ خُبْثٍ وَمَا فِيهِ مِنْ رِجْسِ
وَظَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلاَ دَرْسِ
بِذَاكَ وَمَا فِي الْقَلْبِ مِنْ عَدَمِ الْيَأْسِ
وَرُتْبَتِهِ الْعَلْيَا وَأَحْرُفِهِ الْخَمْسِ
لَهُ فَيْضَةٌ قَدْ صَارَتْ أَوْضَحَ مِنْ شَمْسِ
حَقِيقًا بِهَا يَرْقَى إِلَى حَضْرَةِ الْقُدْسِ
لِنَفْسِيَّ مَا لِلنَّفْسِ فِي النَّفْسِ قَدْ يُنْسِى
عَلَى خَيْرِ مَخْلُوقٍ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ

فالتفت الشيخ إلى الحاضرين و قال لهم : «اسمعوا كلام هذا الذي يقول إنه محجوب» ! الشيخان « الخير قرب، الخير قرب » .
لم يزل الشيخان في حضانة الشيخ يطعمه الذكر بالأوراد و يسقيه من ينابيع الامداد ويحيطه بالتربية والعناية ويتعهده بالتوجيه والرعاية، يفك القيود أمامه و ينير الدرب قدامه, وهو يتدرج في سواء الطريق إلى لجج التحقيق و يتقلب في المعارف الحقانية و الأسرار الربانية إلى أن قال بلسان حاله قبل أن يقولها بمقاله :
رَأَتْ ذَاتِي صِفَاتِي عَيْنَ ذَاتِي
فَلاَ ذَاتِي مَتَى كَانَتْ سِوَى اسْمِي
وَتُثْبِتُ ذَاتُ ذَاتِي صُورَةَ اسْمِي
لِذَاتِي ثَابِتٌ بَلْ مُثْبِتٌ بَلْ
وَتَوْحِيدِي لِمَرْتَبَتِي لِذَاتِي
كَمَا ذَاتِي رَأَتْ ذَاتِي صِفَاتِي
وَلاَ اسْمِي غَيْرُ ذَاتِي حَيْثُ يَاتِي
وَتُثْبِتُ صُورَةُ اسْمِي ذَاتَ ذَاتِي
أَنَا الاِثْبَاتُ بَلْ عَيْنُ الثَّبَاتِ
وَمِنْ ذَاتِي لِمَرْتَبَتِي صَلاَتِي

و جاء نصر الله، و تحقق الاصطفاء للدخول للحضرة الإلهية و للمشافهة بالأسرار الحقانية، و حصل الفتح المبين الأكبر, فها هو سلالة الشيوخ يفنى عن نفسه بل ها هو يفنى عن فنائه و يغرق في بحر من الطمس و المحق ـ وذاك لعمرى مشهد تتدكدك منه الجبال وترتعد الفرائص وتتقطع الأوصال ـ حار بالله في الله وسكر بلذيذ خمر معناه, لم يدره شيء و لم يدر شيئا و لا يدري بأنه لا يدري، و مع ذلك ما تحرك طرفه وما زال وعيه حتى أنه لا حظ أصبع قدمه يرتجف فأعتمد عليه بثقله حتى يسكنه. ولاجرم! فمن كان في الله تلفه كان على الله خلفه. يقول حسان الطريقة في حق الشيخ محمد الحافظ رضي الله تعالى عنهما :

وتراه يصحو حين يسكر غيره
فثبير ذو الشرفات لا متحرف
كأس المحبة والكمال مؤيد
لعواصف مرت ولا متهدد

و قد وصف الشيخان هذا المشهد الاستثنائي بجلاله وروعته وهوله و قدا سته, في هذه القطعة الرائعة :
سَكِرْتُ بِخَمْرٍ مِنْ مُعَتَّقَةِ الذِّكْرِ
بَدَا لِي فِي الْمَذْكُورِ مَعْنًى بِخَمْرِهِ
سَكِرْتُ بِخَمْرٍ خَارِجَ الْكَوْنِ شُرْبُهُ
وَلَمْ يَكُ فِي أَرْضٍ وَلَمْ يَكُ فِي سَمَا
وَكُنْتُ عَنِ الأَوْصَافِ بِالْعَيْنِ ذَاهِلاً
ذَهِلْتُ بِسِرِّ الرُّوحِ عَنْ عَقْلِ حِسِّهَا
وَعَنْ كُلِّ أَنْوَارٍ وَعَنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ
وَعَنْ كُلِّ ذِي أَمْنٍ وَعَنْ كُلِّ خَائِفٍ
وَعَنْ كُلِّ ذِي فَقْرٍوَعنْ كُلِّ ذِي غِنًى
فَلَمْ يَدْرِنِي شَيْءٌ وَلَمْ أَكُ دَارِيًا
فَجُلْتُ بِسِرِّي فِي جَمَالِ جَلاَلِهِ
وؤُبْتُ بِأَسْرَارٍ حَرَامٍ مَقَالُهَا
تبَيَّنْتُ قَبْلَ الْقَبْلِ وَالْبَعْدِ أَنَّنِي
وَعُمْرِيَّ إِنْ أَسْلَمْ لَذِيذٌ وَإِنْ أَمُتْ
وَمَالِيَ غَيْرُ الذِّكْرِفِي الدَّهْرِ مِنْ خَمْرِ
سَكِرْتُ وَعِنْدَ السُّكْرِغِبْتُ عَنِ الذِّكْرِ
فَلَمْ يَحْوِهِ دَهْرٌ وَلْمَ يَحْوِ مِنْ دَهْرِ
وَلَمْ يَكُ فِي بَرٍّ وَلَمْ يَكُ فِي بَحْرِ
فَلاَ لِيَّ مِنْ نَهْىٍ وَلاَ لِيَّ مِنْ أَمْرِ
وَعَنْ قَلْبِ نَفْسٍ كُنْتُ فِي لَيْلِهَاأَسْرِي
وَعَنْ كُلِّ ذِي خَيْرٍ وَعَنْ كُلِّ ذِي شَرِّ
وَعَنْ كُلِّ ذِي صَحْووَعَنْ كُلِّ ذِي سُكْرٍ
وَعَنْ كُلِّ ذِي نَفْعٍ وَعَنْ كُلِّ ذِي ضُرِّ
لِشَيْءٍ وَلاَ أَدْرِي بِأَنِّيَ لاَ أَدْرِي
أُشَافَهُ بِالأَسْرَارِ مِنْ حَضْرَةِ السِّرِّ
لَزَيْدٍ وَلاَ عَمْرٍ بِسِرٍّ وَلاَ جَهْرِ
غَدَوْتُ بِذَاكَ الذِّكْرِ مُسْتَوْجِبَ الشَُكْرِ
فَإِنِّيَّ عِنْدَ اللهِ مُرْتَفِعُ الْقَدْرِ

حصل الشيخان على مراده ومتمناه ونال سؤله ومبتغاه وارتقى إلى مقام الكمل من عباد الله وسما إلى مصاف العارفين الواصلين إلى الله, فاستدعاه الشيخ وتلا عليه هذه الآية الكريمة : {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } و صرح له بالخلافة عنه و قدمه للنيابة عنه في إعطاء الطريقة التجانية ونشر الفيضة الإبراهيمية. وهكذا تأتي رحلة الشيخان الميمونة إلى كوس ورجوعه منها لنشر الفيضة، تكملة لرحلة جده الشيخ محمد الحافظ قبل ذلك بأكثر من مائة سنة إلى فاس وقدومه منها لنشر الطريقة، فكان بذلك أبا للمدد مثلما كان جده قبله أبا للسند .
السامي النسبتين إن ذكر العلا
من ذروة المجد الذي حل النهى
والمحرز الشرفين يوم المفخر
وجرى بسعد عطارد والمشتري

رحلاته للدعوة إلى الله :
عاد الشيخان إلى أهله و قرر أن يرحل داعيا إلى الله بإذنه و على بصيرة من أمره .
فالدعوة إلى الله غاية ما أسماها ومقصد ما أجله, وظيفة الأنبياء والمرسلين ومبتغى الأولياء والصالحين : فقد قال تعالى : ” قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين”, وقال تعالى : “ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين”, وقال تعالى: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…” وقال صلى الله عليه وسلم: “من دل على خير فله مثل أجر فاعله”. وقال: “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا”. وقال لعلي رضي الله تعالى عنه: “فوالله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم”. ويكفي من شرف الدعوة إلى الله أن كان أول من قام بها في الأمة, سفيره في عباده وأمينه على وحيه, عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه, فتحمل ضروب المشاق وتجشمها وقاسى أصناف المحن وتحملها وصبر على أذى الخلق وجاهد في الله حق جهاده حتى كان النصر وحسن العاقبة. وقد مكث صلى الله عليه وسلم 13 سنة في مكة يدعو الناس إلى توحيد الإله الواحد الأحد ويحرص على إخراجهم من الظلمات إلى النور حتى استجاب له من سبقت لهم من الله الحسنى. واستمر بعد هجرته إلى المدينة المنورة في الدعوة بالموعظة الحسنة والحكمة والنصح والكلمة الطيبة والخلق الكريم والجدال بالتي هي أحسن .
ثم قام بأعباء الدعوة من بعده جند الرحمن وحملة القرآن وفرسان الإيمان, أصحابه رضوان الله عليهم, أصدق الأمة إيمانا وأعمقهم علما وألينهم قلوبا وأحسنهم بيانا وأقلهم تكلفا وأعمهم نصيحة, فهم سادة الأمة وأئمتها وهم دعاتها وقادتها. ثم تحمل شرف الدعوة من بعدهم وسار على نهجهم أولياء الله وأصفياؤه في كل زمان وفي كل مكان, تحملوها بصدق عزيمة وإخلاص نية, لا يعتريهم في ذلك لين ولا هوادة ولا يصيبهم فيه ملل ولا كلل. فكل من دعا إلى الله كان على سبيل رسوله وهو من أتباعه وعلى بصيرة من أمره بدليل قوله تعالى: “قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”. فالدعوة إلى الله هي وظيفة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم الذين هم خلفاؤهم, وفيها فليتنافس المتنافسون .
وليست الدعوة إلى الله مشروعا تجاريا أو اجتماعيا وليست بالأحرى وظيفة دنيوية يتقلدها من أراد عرض الدنيا الزائل وسعى لها سعيها, وليست مهنة يستيقظ صاحبها يوما من الأيام ليقول: سأصبح داعية, بل هي اقتطاع إلهي ومهمة مخصوصة أريد بها قوم مخصوصون. فلا يكون داعيا من أراد. فإذا كان منصب من يوقع باسم الرئيس أو الملك منصب لا يقدر قدره ولا يجهل فضله فكيف بمن يوقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ويدعو الناس للتوحيد والإيمان ويقودهم للوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف وعمل يسير, مدته قصيرة, فالعمر وإن طال فلا نسبة بينه وبين الأبد ؟
وقد ظلت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله صلى الله عليه وسلم والتصدي لشبهات المبدعين وانحرافات الغلاة المتشددين, شعار حزب الله المفلحين العالمين بالحق, العاملين به والمعلمين له, الصادقين فيما يدعون إليه, العادلين في أقوالهم وأفعالهم, الناصحين لله, المعظمين له والمحبين له, يحبون أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يطاع ربهم فلا يعصى ويكون الدين كله لله .
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه خطب الناس يوما فقال: “الحمد لله الذي امتن على العباد بأن جعل في كل زمان فترة من الرسل, بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى, فكم من قتيل لإبليس أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه, فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم…” وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنه”.
تتضمن الدعوة إلى الله الأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر وإرشاد الناس إلى سلوك سبل الخير والفلاح وتحذيرهم من ولوج أبواب الشر والخسران, وتعريفهم بطرق السعادة ليسلكوها وبمفاوز المهالك ليرهبوها, وترغيبهم في الإستقامة على الدين والنصح فيه والتواصي على الحق وترهيبهم من كل ما يخالف أحكام الشريعة المطهرة, والتذكير بآلاء الله التي تحببه إلى خلقه وبأيامه التي تخوفهم من بأسه. فهو الذي يشاهد معصية العصاة فلا يستفزه غضب ولا غيظ ولا يسارع إلى الإنتقام مع قدرته عليه, وهو الذي إذا قدر عفا وإذا وعد وفى, وإذا استغفر تاب وإذا دعي أجاب, وإذا سئل أعطى وإذا أعطى أجزل, ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى ولا يخيب من التجأ إليه ولا يضيع من لاذ به. ففي التفسير عند قوله تعالى: “قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم”: وصفوه بالدعوة إلى الله بعد ما وصفوه بالهداية إلى الحق والصراط المستقيم لتلازمهما, دعوهم إلى ذلك … ترغيبا لهم في الإجابة ثم أكدوه بقولهم يغفر لكم من ذنوبكم… وقوله تعالى: “ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض” إيجاب بطريق الترهيب إثر إيجاب بطريق الترغيب اهـ .
قال تعالى: “وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين”, العبادة والإخلاص في العبادة: مطلبان جامعان عليهما عماد الدين. فإذا كان فقهاء الدين الذين هم زوامل الإسلام وأئمة الأنام قد اهتموا بتعليم الناس أحكام دينهم من صلاة وزكاة وصيام وحج واعتكاف وجهاد ونذور ونكاح وعتق وميراث وتجارة وحدود ومحاربة إلى غير ذلك من سائر العبادات والمعاملات, واعتنوا بضبط قواعد الحلال والحرام وحفظوا للدين معاقله ومواقعه وحموا من التغيير موارده ومناهله, فقد كان للسادة الصوفيين الفضل في حفظ العقيدة من تأويل الغالين وتكفير المكفرين وتحريف المبطلين وانتحال الجاهلين, لم يتركوا سبيلا يتعلق به صلاح الخلق في حالهم ومآلهم إلا أوضحوه ولا مسلكا فيه سعادتهم وتزكيتهم إلا أناروه وبينوه, فبهم يهتدي الحيران في تيه الظلام, وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام, قد وردوا مناهل المعرفة فسبروها تسبيرا, وجعلوها عيونا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا, أولئك الناس :
أولئك الناس آل المصطفى وكفى
وصحبه المقتدون السادة البرره
إنه لحقيق بمن أهله الله لهذه الخصوصية, خصوصية الدعوة إليه, وأقامه فيها وشرفه بها أن يتأهب لها الأهبة ويعد لها العدة وأن يدرك قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من الصدع بالحق فيه ومن الإعراض عن تثبيط المثبطين واستهزاء المستهزئين, ضاربا عرض الحائط بالعراقيل مهما كان نوعها, متوكلا على ربه, معتمدا عليه, موقنا بأن الله لا محالة ناصره وهاديه سبيله, ومظهره وكافيه أعداءه .

استسهل الشيخان الصعاب واستصغر المشاق وسافر ومعه مريد واحد, هو يحي ولد أبن, أول من أخذ عنه الطريقة, ويمم منطقة “تكانت” وعاصمتها “تجكجة”, هذه المدينة التي شاء الله أن يزورها الشيخ إبراهيم رضي الله تعالى عنه, بعد ذلك بثلاثين سنة, ويعلن منها, ويعلنها عاصمة أبدية أزلية “للفيضة”. فلك يا تجكجة أن تستبشري, ولك أن تفخري وهنيئا لك بهذا الوسام وطبت, وطاب لك هذا المقام. لكن كم هي جليلة تلك الفصول التي سطرت وكم هو مجيد ذلك التاريخ وتلك المواقف التي حبرت على صفحات هذه الأرض الطيبة الطاهرة, قبل أن تتقلد تجكجه هذا الوسام الفخيم وقبل أن يبث منها هذا النبأ العظيم, نعم :
تلك أرض بها الحبيب تجلى
ما على الوجه منه لف لثام
شملت رحلة الشيخان الأولى مناطق من لبراكنه و تكانت حيث دخل بعض الناس في الطريقة وجدد عليه بعض ممن كانوا ينتسبون إليها قبله .
نزل في تجكجة عند القاضي محمد فال بن الطالب محمد، و كان قد شاع في المنطقة نبأ توجه أحد أبناء محمد الطلبه إلى شيخ ظهر في بلاد العجم. وكان الناس مابين مصدق ومكذب. فكيف يصح في الأذهان أن يسافر أحد أبناء الشيخ محمد الحافظ، وهم أهل الطريقة والقائمون عليها إلى بلاد بعيدة ليأخذ نفس الطريقة وعلى يد شيخ آخر, و بالأحرى من الأعاجم !
لم يكد ينتشر نبأ وصوله إلى تجكجة حتى أقبل الناس يتوافدون إليه, ما بين من جاء يريد السلام على أحد أبناء الشيخ محمد الحافظ و من همه استطلاع الأمر لمن تركهم خلفه .
كان فيمن قدم لهذا الغرض محمد عبد الرحمن ولد حم و محمد المختار ولد أبب، من أعيان أهل « لعدل»، قدما إلى تجكجة في موسم “الكيطنة”, فتعاهدا أن يذهبا للسلام عليه على أن لا يزيداه على ذلك وأن يعودا من عنده على الفور، لكنهما وجداه في حديث مع مضيفه لفت انتباههما و جعلهما ينتظران صلاة المغرب ثم ذكر الوظيفة ثم صلاة العشاء، ثم يعودان لحضور صلاة الصبح معه، بعد أن استهواهما حديثه مع مضيفه وشدهما إليه. وسيكون لهذين العلمين بعد ذلك دور بارز في احتضان الفيضة والدفاع عنها في منطقة لعدل. دخل في الطريقة خلق كثير وجدد الإذن فيها بعض ممن كانوا ينتسبون إليها قبله .
توجه الشيخان من تكانت إلى منطقة آدرار، إلى مدينة شنقيط العاصمة العلمية و التاريخية لموريتانيا والتي كانت على صلة قديمة بالطريقة التجانية و يقطنها بعض أبناء الشيخ محمد الحافظ .
في هذه المدينة التي ظلت ولقرون عديدة مركز إشعاع علمي و ثقافي و صوفي، لم يكن من السهل على فتى لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره مثل الشيخان أن يتصدر للدعوة إلى الله و لإصلاح القلوب وتزكية النفوس دون أن تكون هناك مقاومة وتقول واستغراب. فقد بلغ الشيخان أن البعض ممن يستحدثون سنه يتساءلون عن مدى إلمامه بفقه الطريقة، أحرى ما وراء ذلك، فرد عليهم بالقصيدة التي تسمى نظم السلوك و التي يقول فيها :

الْـحَمْدُ لِلَّـهِ عَلَـى الـسَّرَّاءِ
حَمْـدًا لِـمَنْ لِنَفْسِهِ قَدْ حَـمِدَا
حَـمِدَ نَفْـسَهُ بِـذَلِكَ الـنَّبِي
فَـهْوَ الَّـذِي لِـذَاتِهِ قَدْ أَنْبَآ
فَكَـانَ مَا قَدْ كَـانَ مِنْ تَحَقُّـقِ
وَذَاكَ لاَ يُدْرَكُ عَقْلاً بِالْعُقُولْ
فَلاَ تَسَلْ عَنْ ذَاكَ مَنْ تَفَسَّقَا
فَبَيْنَ ذَلكَ وَذَاكَ بَرْزَخُ
بُطُـونُهُ فَتَحَ مَـا قَدْ أُغْـلِقَا
وَالْحَقُّ ثَـابِتٌ لَهُ مِنْهُ الْـوُجُـودْ
إِنْ شِئْتَ عِرْفَانَ وُجُودِ الْحَقِّ
فَالْحَـقُّ فَرْدٌ ثَـابِتٌ وُجُـودُهُ
وَالْخَلْقُ فَرْقٌ ثَابِتٌ شُهُودُهُ
يَا طَالِبَ النَّجَاةِ فِي حَيَاتِكَا
إِذَا أَرَدْتَ الْعَدْلَ فِي إِيمَانِكَا
كُنْ حَاضِرًا بِالْجِسْمِ مَعْ خِطَابِهِ
اجْعَلْ لِبَرِّ جِسْمِكَ الْمُجَاهَدَة
وَغِبْ عَنِ الْكُلِّ بِسِرِّ سِرِّكَا
وَأرْمِ جِمَارَ النَّفْسِ عِنْدَ الْعَقَبَهْ
وَلْتَكُ طَائِفًا بِبَيْتِِ قَلْبِكَا
تَجِدْ هُنَاكَ لِلصَّفَا فِي الْمَعْرِفَهْ
وَلْتَنْحَرِ النَّفْسَ وَكُلَّ مَا تُرِيدْ
وَكُنْ مَعَ الإِلَهِ دَهْرًا حَاضِرَا
فَالْحَقُّ ظَاهِرٌ كَذَاكَ بَاطِنُ
وَالْكُنْهُ وَاحِدٌ وَسِرُّ كُلِّهِ
يَا مَنْ تُحِبُّ أَنْ تُرَى مُحَقِّقَا
فَالْتَاخُذِ الطَّرِيق مِنْ أَرْبَابِهَا
وَلْتَحْذَرْ أَنْ تَانَسَ بِالأَوْرَادِ
كَمْ بِالطَّرِيقِ اسْتَانَسَ الْمَحْجُوبُ
فَبَيْتَ قَلْبِكَ لَهُ فَطَهِّرِي
اسْتَغْفِرِ اللهَ بِهَا أَغْسِلِ الْخَبَثْ
تَصْلُحُ عِنْدَ ذَاكَ لِلْمُحَاضَرَةْ
وَأنْوِ بِقَوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهْ
وَصَلِّ غَائِبًا صَلاَةً لاَ شُهُودْ
وَلْتَحْذَرْ أَنْ تَرُومَ أَنْ تُعَبِّرَا
بِالْجَهْلِ وَالضَّلاَلِ وَالْبُهْتَانِ
فَكُلُّ مَنْ وَجَدَ مَا إِنْ شَهِدَا
وَكُلُّ مَا لِلْعَبْدِ أَعْطَاهُ الْجَلِيلْ
وَالْقَوْلُ لِلْعَالِمِ أَنْتَ جَاهِلُ
لاَ يَجْعَلُ الْجَاهِلَ عَالِمًا وَلاَ
كَذَاكَ إِنْ قِيلَ لِمَفْتُوحٍ عَلَيْهْ
لَمْ يَنْفِ ذَاكَ عِنْدَهُ مَا عِنْدَهُ
وَحَيْثُ قِيلَ الْفَتْحُ لَمْ يَكُنْ ظَهَرْ
وَلَمْ يَكُنْ وَقَعَ لِلصَّحَابَةِ
بَلْ فِي حَدِيثِ كُنْتُهُ مَا يَكْتَفِي
كَذَاكَ فِي حَدِيثِ لَنْ تَسَعَنِي
كَذَا الرَّسُولُ لِلصَّحَابَةِ ظَهَرْ
إِيمَانُهُمْ بِمَا بِهِ قَدْ جَاءَ لَمْ
قَدْ عَايَنُوا ذَاتَ النَّبِي وَسَمِعُوا
وَحَظُّ غَيْرِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ
فَأَبْغِ الْعِيَّانَ إِنَّ فِي الْعِيَّانِ
فَاللهُ مَا أَرَادَ أَنْ يُسَوِيَّا
وَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَ غَيْرِهِمْ فَكَمْ
فَكَانَ ذَاكَ مُوجِبَ النُّكْرِ عَلَى
لِذَاكَ مَا مَنَعَ بَعْضَ النَّاسِ مِنْ
إِلاَّ لأَنَّ اللهَ مَا أَرَادَهُ
لِلْخَيْرِ وَالرُّشْدِ وَالاِسْتِقَامَةِ
وَ بِانْكِشَافِ الْحُجْبِ لِلَّذِي يُرِيدْ
إِنْ يَرَ مَا مِنَّا إِلَى اللهِ الْوَرَى
وَ النَّاسُ مَا لاَ يَعْلَمُونَ يُنْكِرُونَ
وَكُلُّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا أَنْكَرَهْ
فَاللهُ يُعْطِينَا اجْتِبَاءً فِي الأَزَلْ
سُبْحَانَ مَنْ لاَبُدَّ مِنْ لِقَائِهِ
كَمْ سَتَرَ النِّعْمَةَ فِي بَلاَئِهِ
وَجَعَلَ الرَّسُولَ عَارِفًا بِهِ
صَلَّى وَسَلَّمَ عَلَيْهِ اللهُ مَا
وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَزَوْجِهِ
وَالْـحَمْدُ لِلَّـهِ لَـدَى الضَّرَّاءِ
حـَيْثُ تَجَـلَّى بِالـنَّبِيِّ أَحْمَدَا
قَـبْلَ بُـرُوزِ كُـلِّ أُمٍّ وَأَبِ
عَنْ ذَاتِـهِ الَّتِي بِهَا لَـهَا رَأَى
وَكَانَ مَا قَدْ كَانَ مِنْ تَخَلُّقِ
كَذَاكَ لاَ يُعْرَفُ نَقْلاً بِالنُّقُولْ
وَلاَ تَسَلْ كَذَاكَ مَنْ تَزَنْدَقَا
غَطَّاهُ عَنْ بَعْضِ الْقُلُوبِ الْوَسَخُ
وَخَـتَمَ الـظُّهُورُ مَا قَدْ سَبَقَا
والْخَلْقُ ثَابِتٌ لَهُ مِنْهُ الشُّهُودْ
أَوْ شِئْتَ عِرْفَانَ شُهُودِ الْخَلْقِ
لِـغَيْرِهِ مُنْعَـدِمٌ شُهُـودُهُ
لَـكِنَّـهُ مُنْعَـدِمٌ وُجُـودُهُ
مِنْ حَقِّ رَبِّكَ وَفِي مَمَاتِكَا
فَسَوِّ بَيْنَ كَفَّتَيْ مِيزَانِكَا
وَوَاقِفًا بِالرُّوحِ عِنْدَ بَابِهِ
وَاجْعَلْ لِبَحْرِ رُوحِكَ الْمُشَاهَدَة
وَعَنْكَ غِبْ كَذَاكَ غِبْ عَنْ غَيْبِكَا
حَتَّى تُمَدُّ لَكَ مِنْهُ الرَّقَبَهْ
كَيْلاَ يَكُونَ فِيهِ غَيْرُ رَبِّكَا
كَعْبَتَهَا فَطُفْ وَقِفْ بِعَرَفَهْ
مِنْكَ فَذَاكَ الْيَوْمَ مِنْكَ يَوْمُ عِيدْ
بِالْكُلِّ مِنْكَ بَاطِنًا وَظَاهِرَا
لَكِنَّهُ بِالْعَيْنِ لاَ يُعَايَنُ
كَالْحَرْفِ مَعْنًى جَاءَ فِي مَحَلِّهِ
مَا قُلْتُهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مُصَدِّقَا
لِتَدْخُلِ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا
وَأَهْلِهَا عَنْ طَلَبِ الْمُرَادِ
عَنْ رَبِّهِ فَفَاتَهُ الْمَطْلُوبُ
مِنْ حَدَثِ الْوُجُودِ مِنْكَ الأَكْبَرِ
وَبِصَلاَةِ الْفَاتِحِ أَرْفَعِ الْحَدَثْ
مِنْ غَيْرِ عُجْبٍ مِنْكَ أَوْ مُكَابَرَةْ
إِنْ قُلْتَهَا نَفْيَ الْوُجُودِ عَنْ سِوَاهْ
فِيهَا لِرُكْنٍ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودْ
عَنْ ذَالِكَ لِلْوَرَى فَيَرْمِيكَ الْوَرَى
بِلاَ أَدِلَّةٍ وَلاَ بُرْهَانِ
وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ مَا إِنْ وَجَدَا
لَيْسَ لِغَيْرِهِ فِي مَنْعِهِ سَبِيلْ
وَعَكْسُهُ لِلْعَكْسِ قَالَ قَائِلُ
يَجْعَلُ عَالِمًا كَذَاكَ جَاهِلاَ
عَكْسُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ لَدَيْهْ
مِمَّا قَدْ اعْطَاهُ الإِلَهُ عَبْدَهُ
فِي زَمَنِ النَّبِي وَلاَ لَهُ ذَكَرْ
فَذَاكَ قَوْلٌ مُنْتَفِي الإِصَابَةِ
بِهِ عَنِ الْجِدَالِ كُلُّ مُنْصِفِ
أَرْضِى دَلِيلٌ لِلَّذِي بِهِ عُنِي
وَبِالْبَصِيرَةِ رَأَوْهُ وَالْبَصَرْ
يُقَلِّدُوا فِيهِ الدَّوَاةَ وَ الْقَلَمْ
بُرْهَانَهُ مِنْهُ لِذَيْنِ جَمَعُوا
تَقْليِدُ بُرْهَانٍ بَلاَ عِيَّانِ
لَذِيذَ مَعْنًى لَيْسَ فِي الْبُرْهَانِ
فِي ذَاكَ بَيْنَ الأَنْبِيَّا وَالأَوْلِيَّا
أَبْدَى لِشَخْصٍ مَا عَنِ الْغَيْرِ كَتَمْ
عَارِفِهِ مِمَّنْ لَهُ قَدْ جَهِلاَ
أَخْذِ طَرِيقِ شَيْخِنَا فِي ذَا الزَّمَنْ
إِلاَّ لِمَنْ أَحَبَّهُ وَقَادَهُ
وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ فِي الْقِيَّامَةِ
ذَاكَ وَبِالَّذِي يُرِيدُ مِنْ مَزِيدُ
فَإِنَّ مَا مِنْهُ إِلَيْنَا لَنْ يُرَى
وَرَبُّنَا يَخْلُقُ مَا لاَ يَعْلَمُونَ
وَ قَدْ يُعَادِي مَنْ لَهُ ذَكَرَهْ
وَغَيْرُنَا يُجْزِيهِمُ عَلَى الْعَمَلْ
لَنَا وَلاَ مَحِيدَ عَنْ قَضَائِهِ
وَسَتَرَ النِّقْمَةَ فِي نَعْمَائِهِ
مَا كَانَ كَلاَّ جَاهِلاً بِرَبِّهِ
أَبْدَى لَهُ مَا عَنْ سِوَاهُ كَتَمَا
للهِ دَرُّ حِزْبِهِ وَ صَحْبِهِ

عاد الشيخان إلى تكانت بعد هذه الرحلة التي صحبه فيها وفد كبير من أهل تجكجة، يضم على الخصوص محمدي ولد محمد الطلبة و أبناء أحمد خليفة و كان على موعد مع مضمون الآية الكريمة : {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها } .
أقبل الناس على الطريقة فرادى وزرافات، و تعددت حلق الذكر ومجالسه، و كان الوافدون يصلون إليها متلهفين تلهف الظمآن إلى الماء و الخائف إلى الأمن، يهتمون بقوت أرواحهم قبل اهتمامهم بقوت أشباحهم، فجعلوا الذكر بالاسم المفرد عنوانا لهم و التحليق للوظيفة شعارهم فانمحت من مرآة القلوب صور الأغيار و أشرقت عليها أشعة الأنوار وانطبعت فيها أسرار الإيمان والإحسان و طلعت فيها أقمار التوحيد و شموس العرفان، ففي الحديث :[لكل شيء مصقلة, ومصقلة القلوب ذكر الله ] انتشرت الفيضة و نزلت السكينة و انكشفت الغيوب و أطمأنت القلوب و اقبل الناس أفواجا, أفواجا و هم ما بين مؤمن مصدق يتعرض لهذه النفحات الإلهية و ما بين منكر منتقد يسعى لإطفاء أنوارها الحقانية، فيتساقطون، جميعهم، في لجج التحقيق بمحض الفضل والتوفيق. كلهم جاءوا، هؤلاء بلطائف الإحسان و هؤلاء بسلاسل الامتحان، و هاهم في هذا الموقف سيان، انتقلوا من الإنكار و البهتان و من الدليل و البرهان إلى المشاهدة والعيان. فتح لهم الباب و رفع عنهم الحجاب. غرست الفيضة فيهم عروقها وأذاقتهم من طيب ثمراتها فحصلوا مطلب الإخلاص وتحققوا بمقام الخواص. ففي الحديث الشريف: “إن لربكم في أيام دهركم نفحات, فتعرضوا لها”.
في هذه الرحلة طالت غيبة الشيخان عن الأهل فأرسل والده الخليفة محمد إلي أخيه ورفيق دربه سيدي الشيخ محمد بن أنحوي وقال له: إن أخاك ذهب إلي “تكانت” وقد سبقه إليها أعمامه قبله فطاب لهم المقام فيها واستوطنوها, لما قابلهم به أهلها من التبجيل والإكرام وحسن الوفادة, ولست أرى أن أحدا يستطيع أن يجعله يعود منها سواك, فطيب الشيخ محمدو خاطر الخليفة محمد الطلبه ووعده بما كان يريد أن يسمعه منه وتوجه على الفور إلي تكانت .
في هذه الأثناء, كانت الفيضة الأولى في” فرع أوروار” قد بلغت أوجها: ناس اجتباهم مولاهم بلا علة ولا سبب معهود وخصهم بمحض الكرم والجود, منهم من أدركته العناية الإلهية فجذبته وقربته من غير طلب ولا استعداد فكان على موعد مع قوله تعالى “يخص برحمته من يشاء”, ومنهم من طوي شهوات نفسه فألجمها بالصبر, وبيداء طبيعته فزرعها بالذكر, حتى وصل إلى حضرة ربه, فصدق عليه قوله تعالى “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا”, قوم ذكروا الله كثيرا فأنزل الله السكينة في قلوبهم وآخرون أنزل الله السكينة في قلوبهم فذكروا الله كثيرا, هؤلاء ذكروا الله لتستنير قلوبهم فاستنارت وأولئك استنارت قلوبهم فذكروا الله .
فقد يكون الفتح والولوج إلى حضرة المولى سبحانه هجوميا لم يحصل من صاحبه تشوف ولا طلب له وقد يأتي جزاءا وفاقا: ففي الحديث القدسي الذي يرويه صلى الله عليه وسلم عن ربه “أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني, فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه فإن اقترب إلي شبرا اقتربت منه ذراعا وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت منه باعا, وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”. الحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .
فمن الناس من يصل إلى طاعة الله بكرامة الله ومنهم من يصل لكرامة الله بطاعة الله, ومنهم من تطوى له الطريق ومنهم من تطوى عنه, والكل داخل في دائرة الفضل والاجتباء والاصطفاء, قال تعالى: “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم”.
سافر الشيخان إلى منطقة “لعدل”, وكان قد سبقه إليها بشائر من أولئك الذين كانوا قد أخذوا عنه الطريقة في “تجكجة”. وفي هذه المنطقة كذلك, كان على موعد مع نصر من الله معزز: وجد فيها أقواما قد تخلوا عن حظوظ أنفسهم وتحلوا بحقوق ربهم فانجلت مرآة قلوبهم لتتجلى فيها أنوار ربهم, فتحرك سر الشيخ وتفجرت ينابيع الفيضة, وجاء الناس إليها فضولا وغباء فتساقطوا فيها فضلا واجتباء تصديقا وتحقيقا لما كان الشيخ رضي الله تعالى عنه قد قاله :

فقلت لا إله إلا الله
ففاض مني سره فلا أحد
سواء الصبيان والنسوان
سواء الصغار والكبار
محمد أرسله الإله
يقصدني ما عرف الله الصمد
سواء الصعلوك والسلطان
قد قرب الحبيب والمزار

في هذا الجو المفعم بالسكينة والصفاء والهيبة والوقار والإقبال على الله بالقلب والقالب, وصل سيدي الشيخ محمدو بعد سفر ليس بالقصير وفاء بالوعد الذي كان قطعه للخليفة محمد الطلبه, فلما رآه الشيخان مقبلا عليه تهلل وجهه فرحا واستبشارا وأسرع نحوه يحتضنه ويعانقه .
يقول سيدي الشيخ محمدو رضي الله تعالى عنه : لما قدمت على الشيخان وجدته جالسا بين أصحابه وإخوانه وأحبابه, في جو من الصفاء والإقبال على الله والإعراض عن ما سواه, وإخلاص الوجهة لربها والتجافي عن الدنيا وأهلها واتهام النفس في نزعاتها وثنيها عن شهواتها ومألوفاتها وتزكيتها وتصفيتها من دسائسها وصيانة الأحوال من عوائقها, ذكرني بعهد كوس وأيام وليال مضوا بها. فقد خيل إلي, عند وصولي, أن كل شيء يذكر الله بلسان فصيح, فالهضاب الصماء تذكر الله والأشجار والأودية والبطاح والسماء والأرض :
لم يبق إلا الله لا شيء غيره
فما ثم موصول وما ثم بائن

عاد الشيخان إلى “تكانت” في العام الموالي . وفي هذه المرة عرج بضريح جده الشيخ محمد الحافظ وزاره بهذه القصيدة الرائعة :

يَا بُغْيَتِي وَأَمَلِي وَأَبَتِي
يَا عُدَّتِي لِكُلِّ مَا أَهَمَّنِي
فَهَا أَنَا نَزَلْتُ عِنْدَ بَابِكُمْ
قَدْ جِئْتُكُمْ عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ
رَكَائِبِي بِبَابِكُمْ مُنَاخَةٌ
لُذْتُ بِكُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ حَادِثٍ
وَالنَّفْسُ وَالشَّيْطَانُ فِي مُعْتَرَكٍ
فَوَجِّهُوا هِمَّتَكُمْ لِرَبِّكُمْ
أَلاَّ أَكُونَ لَكُمُ مُنْتَسِبًا
أَسْتَوْهِبُ اللهَ بِكُمْ تَحَقُّقًا
وَرَدَّ نَفْسٍ عَنْ هَوَاهَا غَلَبَتْ
فَلَمْ تَزَلْ مِنْ قَبْلِ ذَا مُنْكَبَّةً
قَدْ غَرَّهَا كَرَمُ رَبٍّ غَافِرٍ
فَضَيَّعَتْ أَنْفَاسَهَا فِي بَاطِلٍ
حَتَّى دَنَا مِنْهَا الأَشُدُّ وَهْيَ فِي
لَمْ تَنْتَبِهْ لِمَا مِِِنَ الْعُمْرِ مَضَى
نَبَّهْتُكُمْ لَهَا وَأَنْتُمْ نُصْرَتِي
فَأَنْتُمُ قَوْسِي وَنَبْلِي لِلْعِدَا
وَأَنْتُمُ الَّذِينَ لَوْلاَ هَدْيُكُمْ
فَلْتَا خُذُوا يَدِي فَإِنَّنِي لَكُمْ
أَرْجُو الإِلَهَ بِكُم أَنْ يَجُودَ لِي
حَتَّى أَكُونَ لِلإِلَهِ خَالِصًا
وَأَنْ أَعِيشَ فِي تُقَاهُ مُخْلِصًا
وَأَنْ أَ مُوتَ بِالإِْلَهِ عَارِفًا
وَبِكُمَ أَرْجُو فِي الطَّرِيقِ فَيْضَةً
لاَ غَرْوَ إِنْ وَهَبَ لابْنِهِ أَبٌ
أَبْغِي ثَبَاتَ كُلِّ خَيْرٍ مُنْتَفٍ
وَأَنْ أَكُونَ فِي الْمَمَاتِ مَعَكُمْ
وَحَيْثُمَا نَزَلَتُ دَارَ غُرْبَةٍ
وَكُنْتُمُ الأَحْبَابَ وَالأَهْلَ إِذَا
أَرْجُو لِنَفْسِي ذَاكُمُ وَلِلَّذِي
فَمَنْبَتِي أَنْتُمْ وَأَنْتُمْ طِبْتُمُوا
قَدْ زُرْتُكُمْ عَنِ اضْطِرَارٍ وَحَرٍ
وَجَّهْتُكُمْ للهِ أَنْ يَجْعَلَنِي
مُسْتَشْفِعًا بِكُمْ إِذَا مَا قُدِّمَتْ
صَلَّى الإِلَه ُثُمَّ سَلَّمَ عَلَى
مَا زَارَكُمْ مَنْ زاَرَكُمْ مِنْ بُعُدٍ
أُبُوَّةً عَنِ الْحِجَابِ أَبَتِ
وَمَلْجَئِي عِنْدَ اشْتِدَادِ كُرْبَتِي
مُبْتَدِئًا بِزَوْرِكُمْ فِي غَيْبَتِي
وَالنَّفْسُ بَيْنَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةِ
مَضْرُوبَةٌ عِنْدَ الْجَنَابِ قُبَّتِي
فِي الدَّهْرِ أَنْ يُصِيبَنِي بِنَكْبَةِ
مَعِي وَمَالِي لَهُمَا مِنْ أُهْبَةِ
وَمَا بِكُمْ لَهُ مِنْ الْمَحَبَّةِ
بِلاَ تَحَقُّقٍ بِتِلْكَ النِّسْبَةِ
بِمُقْتَضَى حُقُوقِ تِلْكَ الرُّتْبَةِ
بِالرِّفْقِ لاَ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ
مَعْ كُلِّ نَفْسٍ فِي الْهَوَى مُنْكَبَّةِ
لِكُلِّ نَفْسٍ حَيْثُ شَا مُذْنِبَةِ
لَمْ تَتَوَقَّفْ لاَ وَلَمْ تَثَبَّتِ
عَقَبَةٍ تُفْضِي إِلَى عَقَبَةِ
وَمَا عَلَى مَفَارِقِي مِنْ شَيْبَةِ
لاَ غَرْوَ إِنْ عَلَيْكُمُ وَجَبَتِ
وَأَنْتُمُ سَيْفِي لَهُمْ وَحَرْبَتِي
حُدْنَا عَنِ النَّهْجِ الْقَوِيمِ الأَثْبَتِ
نَجْلٌ وَبِرُّكُمْ عَلَى رَقَبَتِي
بِتَوْبَةٍ وَبِقَبُولِ التَّوْبَةِ
مِنْ حَرَكَاتٍ بِالْهَوَى مَشُوبَةِ
مُرَاقِبًا لَهُ بِقَلْبٍ مُخْبِتِ
دُونَ تَقَشُّفٍ وَلُبْسِ جُبَّة
لَمْ يَبْقَ عَنْهَا أَحَدٌ بِصُحْبَتِي
أَوْ إِنْ تَوَلَّى عَنْهُ حَوْزَ الْهِبَةِ
عَنِّي وَنَفْيَ كُلِّ شَرٍّ مُثْبَتِ
تُرْبَتُكُمْ بِهَا تَكُونُ تُرْبَتِي
كُنْتُمْ بِهَا أَنْتُمْ أَنِِيسَ غُرْبَتِي
فَارَقْتُ كُلَّ الأَهْلِ وَالأَحِبَّةِ
كَانَ لِذَاكُمْ مِنْكُمُ ذَا رَغْبَةِ
وَالْفَرْعُ طَيَّبَهْ بِطِيبِ الْمَنْبَتِ
أَنْ لاَ أَعُودَ مِنْكُمُ بِخَيْبَةِ
فِي أَزَلٍ مَمْحُوَ كُلِّ حَوْبَةِ
يَوْمَ اللِّقَا نَفْسِي لِمَا اكْتَسَبَتِ
نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَالصُّحْبَةِ
يَا بُغْيَتِي وَأَمَلِي وَأَبَتِي

كان الشيخان قد ضمن هذه القصيدة جملة من المطالب حقق الله له جلها أو كلها .
فقد كانت البلاد, لا تزال, في هذه الحقبة من الزمن, تئن تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الذي لم يكن يتورع من اعتقال العلماء والأولياء ورجال الدين وسجنهم وتغريبهم, مثل ما وقع, في السنغال, للولي الكامل والداعية الكبير المشهور بمحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشيخ أحمدو بمب, وكما كان الحال في موريتانيا, بالنسبة للولي العابد, العالم المكاشف, الشريف المنيف الشيخ حماه الله الذي غرب إلى فرنسا .
ما أن وصل الشيخان منطقة “تكانت” حتى أرسل له الحاكم الفرنسي للمجرية, فيلقا من الحرس بقيادة حمود ابن بدي يأمره فيها بالعودة إليه بأسرع ما يمكن .
وصل الشيخان المدينة ليلا فاستقبله بعض أصحابه وأنزلوه في دار لأمجار بن محمدي بن محمد محم رحمة الله عليه كانت تسمى “سوسيتى”, فلما أصبح الصباح علم سيد ابن البخاري رحمه الله بقدوم الشيخان فأرسل ولده اشريف وقال له إما أن تأتيني بالشيخان أو لا تعود إلي .
كان المرجفون في المدينة قد أشاعوا أن الحاكم الفرنسي أرسل في طلب الشيخان ووفده للمكر بهم بالسجن وقطع الآذان وذلك بأمر من الحاكم العام لموريتانيا في “سان لويس” بالسنغال, فأرسل سيد بن البخاري إلى أعيان المدينة وطلب من كل واحد منهم أن يلبس أفخر ثيابه وأن يوافيه في داره وقال لهم : ستذهبون مع الشيخان إلى هذا الحاكم وتفهموه بأن عليه أن يقطع آذانكم ويسجنكم قبل أن تسول له نفسه أن يمس الشيخان ووفده بأي أذى .
لما وصل الشيخان إلى دار أهل البخاري وجد أعيان أهل المدينة في انتظاره, فصحبوه إلى الحاكم, وكم كانت دهشتهم عندما رأوه ينتصب قائما ليلقي عليه التحية بكل احترام وحفاوة وتقدير ويخبره بعد عبارات المجاملة والإعتذار, بأن الحاكم العام لفرنسا في السنغال, أرسل إليه برقية مفادها أن الخليفة محمد الطلبة يطلب من الشيخان أن لا يواصل سفره وأن يعود إليه في أسرع وقت ممكن للتشاور معه في أمور مهمة .
كما أخبره بأنه سيتولى شخصيا تكاليف ضيافته ووفده طيلة مقامهم في المجرية . وقال له ممازحا : ما كان ينبغي أن يمر شيخ المسلمين بالقرب من شيخ الفرنسيين دون أن يمر به للسلام عليه .
في العام الموالي عاد الشيخان إلي تكانت ومر في طريقه بالمجرية فنزل في دار أحمد المنير رحمه الله .
وكان محمدى ابن العابد أحد أعيان العلويين القاطنين في هذه المدينة, وكان قد بلغه نبأ انتشار الفيضة في تكانت فاحتار في أمرها, وفي منامه رآى والده عابد رب وسيد عبد الله ابن الحاج إبراهيم والطالب ابن حنكوش وأخبروه بأن هذا الذي عند الشيخان هو الذي عندهم, فقرر أن يتوجه إلى الشيخان للسلام عليه وقال في نفسه إن كان من الأولياء حقا فسيستقبلني ويجلسني عن يمينه ويعطيني من سؤره ويذهب معي ليشيعني, فلما قدم على الشيخان استقبله وأجلسه عن يمينه وأعطاه من سؤره وذهب في تشييعه وقبل أن ينصرف عنه عائدا إلتفت إليه وقال له ما أخبرك به الوالد ومن كانا معه, صحيح لا مراء فيه .

زار الشيخان, في هذه المرة, مناطق لم يكن مر بها في رحلته الأولي, مثل “كوركول” و”العصابة” .
وفي هذه الولاية كان الحاكم الفرنسي قد وصلته تقارير كثيرة تحرضه ضد الشيخان وتحذره من تزايد أتباعه واتساع نفوذه الأمر الذي جعله يتوهم أنه قد يشكل خطرا عليه وعلى دولته ومصالحها, فاستدعاه فور وصوله مدينة كيفه وجمع له عددا من المنكرين على الطريقة التجانية وأهلها وعلى الفيضة وصاحبها, وأمرهم بمناظرته توطئة لاعتقاله وسجنه أو حتى تغريبه إن هم ظهروا عليه . وقد شهد هذه المناظرة جم غفير من الموالين والمصدقين المشفقين ومن المنكرين والمنتقدين المكذبين المتربصين, وحشر الناس إليها من جميع الضواحي المجاورة .
كان الحاكم يحرص على أن تترجم له المناظرة بكل تفاصيلها ويستفسر عن غوامضها ويصر على متابعتها وهو الذي يعلم أكثر من غيره أن هؤلاء الذين حشدهم لهذا الحدث الذي رتب له بكل مكر ودهاء هم الذين كانوا يأتونه بالوشايات والشكايات ويحرضونه ضد الشيخان وأتباعه .
وهاهم جمعوا كيدهم واستنجدوا فصلانهم واستجلبوا خيلهم ورجلهم, يريدون إيقاع الناس في التشكيك في عقيدة وسلوك أولئك الذين دعتهم هواتف السعادة فأجابوها ولاحظتهم عيون العناية فأدخلتهم حصنها, منحهم الله مآثر تقصر عن جمعها المحابر وهداهم وهدى بهم وزكى عقولهم وأعلى مراتبهم, ما قصدهم ناقص معدم إلا أغنوه وكملوه ولا أمهم سقيم عليل إلا ألفى لديهم الشفاء والتبجيل, فعلوا المأمور امتثالا وتركوا المحظور اجتنابا وصبروا على المقدور تفويضا وتسليما وأتوا بالمستحب حمدا وشكرا فأحبهم الله وأحبوه ورضي عنهم ورضوا عنه .
جاء المنكرون فعبسوا وبسروا وأدبروا واستكبروا وعمهوا في طغيانهم ليطفئوا نور الله بأفواههم, لكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ويرغم أنف الحسود الذاهل السامد, ويدفع عن عباده شر المستعمر وكيد الكائد .
قال تعالى لعباده الذين والوه واتكلوا عليه : بشارة لهم وتطمينا لقلوبهم : “لن يضروكم إلا أذى” وقال تعالى : “والعاقبة للمتقين” وقال تعالى : “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض”, فيأتي النصر بعد القهر والجبر بعد الكسر ويخرج الشيخان من هذه المناظرة مكللا معززا بنصر الله ينصر من يشاء .
وتلك سنة الله في أصفيائه, يسلط عليهم الخلق في أول أمرهم ـ وخصوصا أهل الجدال الذين يقرون بوجود الأولياء لكنهم يدفعون هذه الخصوصية وينفونها عن كل من لم يجدوا فيه النعوت التى وضعوها من تلقاء أنفسهم, جهلا أو تعصبا أو حسدا, وقد غاب عنهم أن الولي لا يعرف صفاته إلا الولي ـ ثم تكون الدولة والغلبة لهم في آخر الأمر مصداقا لقوله تعالى : “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون” إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين, وقال تعالى : “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا”. فالولي لا يأتى بشرع جديد ولا يدعى ذلك وإنما يأتى بفهم جديد في الكتاب والسنة كما روي عن علي رضي الله عنه: “أو فهم أعطيه رجل مسلم” .
وهذا الفهم هو الذي يستغربه وينكره أولئك الذين كتب عليهم بالحرمان فألفوا من قلوبهم الإعراض عن الله فابتلاهم بالوقيعة في أوليائه والعياذ بالله .
بعد هذا الإختبار وما أظهر الله فيه من إعزاز عبيده أهل خصوصيته, تسابق الناس للدخول في الطريقة وأبدوا تشوقهم ورغبتهم فيها وتعلقهم وانحيازهم إليها, بأفئدة وجلة وقلوب منكسرة, وقد قال تعالى في الحديث القدسي “أنا مع المنكسرة قلوبهم من أجلي”. سارعوا إلى إخراج الغير من قلوبهم فوجدوا الله أقرب إليهم منهم: قال تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وقال تعالى: (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) وقال تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب), وعلموا أن الله ليس دونه مسافة يقربها الرحيل إليها ولا معارج يظهرون عليها ـ وإنما بالهمم العالية وصحبة أهل الله وصل الواصلون, وبحب الدنيا وشواغلها انقطع المنقطعون ـ فأخلصوا الوجهة لله وعاملوه بالحب فظفروا بالقرب ووقع الأنس وانقطع الحس وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة فنهلوا من الفيضة وعلوا واجتهدوا في الدفاع عنها واستبسلوا .

واصل الشيخان رحلته للدعوة إلى الله فزار مناطق سليبابي والحوضين, الشرقي والغربي, ومنطقة خاي في مالى. في كل هذه المناطق تسابق الناس للدخول في الطريقة فملأ الله قلوبهم بمحبته وأفاض عليهم من خزائن فضله. ثم قفل الشيخان ووفده عائدين إلى “تكانت”, وفي طريقهم مر بهم رجل من أهل البادية, وبعد السلام والتعارف وعبارات المجاملة أخبرهم على سبيل الإنكار والسخرية والشماتة بأن رجلا من “العلويين” ذهب إلى السنغال وتتلمذ على شيخ زنجي فعمل له بعض الأسحار في تمر وودع وعظام فيل وعلقها له على رأسه وقال له ما عليك إلا أن تهز شعرك أمام من تريد ليعطيك ما تشاء. واتفق معه على أن يتقاسم معه كلما يحصل عليه. احترم التلميذ في السنة الأولى ما اتفق عليه مع شيخه لكنه في السنة الموالية جار عليه ولم يعطه من نصيبه إلا القليل فعندئذ غضب الشيخ وتحول إلى أسد وأكل تلميذه. فقال له الشيخان, وهو يبتسم: (أصل الصحة) أي: بالصحة والهناء, فطوبى لمريد أكله شيخه. وسأله هل يعرف اسم هذا المريد فرد عليه, وهو يستعيذ بالله مما جرى له, يقال: إن اسمه الشيخان. قبل أن ينصرف الرجل ناداه الشيخان وأخبره بأنه هو الشيخان ووضع عمامته عن رأسه وسأله أن ينظر إلى رأسه هل يشاهد فيه ودعا أو عظام فيل وما شابه فبهت الزائر وبالغ في الإعتذار وطلب المسامحة. نظم الشيخان القطعتين التاليتين في الرد على هذه الترهات وعلى كل من ينسب هذه الطريقة الإبراهيمية المحمدية الأحمدية المشيدة بالكتاب والسنة, أو ينسب أهلها للجنون والسحر والشعوذة :

بِاللهِ يَا فَيْضَةَ الشَّيْخِ اسْقِنَا وَدَعِ
وَزَعْمَ سِحْرِ شُعُورِ الْخَيْلِ آوِنَةً
وَكُلَّ مَا مِنْهُ تَسْتَكُّ الْمَسَامِعُ مِنْ
فَأَنْتِ فَضْلُ كَرِيمٍ وَاسِعٍ سِعَةً
نَخْشَى الإِلَهَ وَنَرْجُوهُ النَّجَاحَ وَلاَ
وَاللهُ أَكْرَمُ مَسْؤُولٍ وَنَسْأَلُهُ
بِجَاهِ خَيْرِ الْوَرَى صَلَّى الإِلَهُ عَلََيْـ
بُهْتَانَ سِحْرِ عِظَامِ الْفِيلِ وَالْوَدَعِ
وَطَلْسَماً مِنْ دِمَاغِ الْكَلْبِ مُنْتَزَعِ
شَتْمٍ وَسَبٍّ لَنَا فِي كُلِّ مُجْتَمَعِ
تَقْضِي بِفَيْضِ عَطَاءٍ مِنْكِ مُتَّسِعِ
مَجَالَ فِي غَيْرِهِ لِلْخَوْفِ وَالطَّمَعِ
حِفْظًا مِنَ الزَّيْغِ وَالإِلْحَادِ وَالْبِدَعِ
ـهِ ما دَعَا لِنَعِيمٍ غَيْرِ مُنْقَطِعِ

ثم :

لَكَ الْحَمْدُ مَوْلاَنَا عَلَى كُلِّ حَالَةِ
لَكَ الْحَمْدُ فِي مَا قَدْ مُدِحْنَا بِقَوْلِهِ
لَكَ الْحَمْدُ إِذْ لِلسِّحْرِ نُنْسَبُ تَارَةً
وَنُنْسَبُ طَوْرًا لِلْجُنُونِ لَدَى الْوَرَى
لَكَ الْحَمْدُ إِذْ بَاعُوا لَنَا حَسَنَاتِهِمْ
رَضِينَا بِذَاكَ الْبَيْعِ مِنْهُمْ وَلَمْ نَكُنْ
قَدِ اسْتَبْدَلُوا الأَدْنَى بِمَا هُوَّ عَكْسُهُ
يَظُنُّونَ بِالْمَجْذُوبِ فِي اللهِ جِنَّةً
وَحَمْدُكَ عَنْهُ مَا لَنَا مِنْ مَحَالَةِ
وَفِي مَا قَدْ أُذِينَا بِهِ مِنْ مَقَالَةِ
وَلِلتِّيهِ طَوْرًا فِي فَضَاءِ الضَّلاَلَةِ
كَمَا قِيلَ بُهْتَانًا لِخَتْمِ الرِّسَالَةِ
بِمَا لَمْ يَزِنْ فِي الْحَقِّ بَعْضَ نُخَالَةِ
نُطَالِبُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ بِإِقَالَةِ
كَمَنْ تَاهَ عَنْ مَدْلُولِهِ بِالدِّلاَلَةِ
وَقَدْ كَانَ سَكْرَانًا بِخَمْرِ الْجَلاَلَةِ

قبل أن يدخل الشيخان مدينة تجكجة بلغه أن “شميى”, وهو الحاكم الفرنسي للمنطقة قد أصدر أمرا بمنعه من دخول المدينة فأرسل أحمد بن السالك أحد أصحابه الذين رافقوه في هذا السفر, إلى عمه محمد محمود بن الشيخ أحمدو بن الشيخ محمد الحافظ ليخبره بوصوله وبرغبته في السلام عليه والتشاور معه. وصل رسوله إلى المدينة بعد منتصف الليل فظن محمد محمود نائما فجلس يذكر الله بصوت مرتفع, فلما سمعه محمد محمود خرج إليه مسرعا وسأله عما إذا كان الشيخان وصل؟ ولم ينتظره أن يرد عليه, فقال له ضع الراحلة على ذلك الجمل, وقبل أن يحكم أحمد السالك شد حزام الراحلة كان محمد محمود قد ركب عليها فوثب وركب خلفه ليمسكها به . استقبل الشيخان عمه وأطلعه على تفاصيل رحلته وعلى ما دار في المناظرة التي كان الحاكم الفرنسي في مدينة كيفة قد رتب وعلى ما من الله به من انتشار الطريقة في جل المناطق التي زارها, فلما سمع محمد محمود ذلك قال له: ما دمنا على الحق ونعلم أننا على الحق وأن الله سينصرنا فلماذا نحبس أنفسنا خوفا من هؤلاء الفرنسيين الجاحدين الكفرة؟ فرد عليه الشيخان قائلا:الرسول صلى الله عليه وسلم كان على الحق ويعلم أنه على الحق, وأن الله ناصره على أعدائه ومع ذلك دخل وصاحبه في غار ثور ليتواريا عن أعين المشركين .
علم الحاكم الفرنسي بوصول الشيخان مشارف المدينة فأخذ فرقة من جنوده وقصد محل إقامته وما كاد ينتهي من السلام عليه حتى بدء في التهجم عليه متهما إياه وأتباعه بمزاولة السحر وبتضليل الناس وتحريضهم ضد الفرنسيين .
فرد عليه الشيخان بهدوء وحكمة وحاوره وجادله بالتي هي أحسن وفقا للأمر الإلهي : “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”, فاستحسن الحاكم طريقته في الرد عليه وأعجب برزانة عقله وسعة أفقه, فسكن غضبه وبردت أعصابه, وبدء يخفف من حدته ويغير من سلوكه الأول, وبعد فترة قال للشيخان بلغنا أنك ترقي من المرض وعندي زوجتي مريضة قد أشرفت على الموت فإن أنت شفيتها أذنت لك في الدخول إلى المدينة وخليت بينك وبين أتباعك, فأمر الشيخان أحمد بن السالك بأن يذهب إليها ليرى حالها . كان أحمد حديث عهد بالجذب, فلما وصل منزل الحاكم وجد زوجته مصروعة كأنها ميتة, فناداها باسمها فلم تتحرك, فأدخل ذراعيه تحت فراشها وحملها والفراش وولى مسرعا حتى طرحها بين يدي الشيخان. فلم يكد يضعها على الأرض حتى نشطت لتوها وجلست وكأنها لم تكن يوما تشكو أي مرض, وهكذا كرامات الأولياء تظهر لإجلاء الحق وكسر الباطل ولا تكون إلا لحاجة في الدين أو لمنفعة للإسلام والمسلمين .
دهش الحاكم فأمر جنوده بإطلاق الرصاص في الهواء إجلالا وتعظيما لما شاهده بعينه وسار وجنوده بين يدي الشيخان في موكب كبير وفي يوم كان مشهودا .
دخل الشيخان مدينة “تجكجه”, فكانت بطاحها وأوديتها نتشد مع العالم العلامة محمد بن الإمام بن عبد القادر رضي الله عنه :
أهلا ببدر طالع سطعا
بدر أضاء شؤون الحق قاطبة
تثنية بالسمى والذات واحدة
ومرحبا مرحبات بالذي طلعا
والحق زم به واعتز وارتفعا
أهلا وسهلا ببدر طالع سطعا

ولما وصل الحاكم مكاتبه اختار من الهدايا أثمنها ومن ضروريات الضيافة أغلاها وأرسل بذلك إلى الشيخان. كما أهدته زوجة الحاكم واسمها “مامه” صندوقا من الحلي فاحتفظ به الشيخان حتى قدم على الشيخ وأخبره القصة فأمره الشيخ بالتصدق به على الفقراء. وقد سخر الله بعد ذلك هذا الحاكم للوقوف أمام كيد الكائدين ومكر المتربصين بهذه الطريقة وبهذه الفيضة .

وإذا أراد الله نصرة عبـده
وإذا أراد خلاصه من هلكة

كانت له أعـداؤه أنصارا
أجرى له في نارها أنهارا

انتشرت الفيضة في عموم “تكانت” فكانت الأولى في فرع أوروار عند أهل “أكد الحاج” وتلتها أخرى عند حي “تميله” ثم في تجكحه المدينة وفي ارش الموج وفي حي انتمادي وفي المجرية وانبيكه. وكانت الفيضة الأولى في لعدل تسمى فيضة “العلب” وكانت في فصل الخريف ثم تلتها فيضة “زيرت العقارب” عند مدخل “كندل” ثم فيضة “لعزيب” في موضع يقال له “جلوا” ثم توالت في الغدي وفي أحياء أخرى في المنطقة .
وقد بدأت الفيضة في “زيرت العقارب” بعد وقوع الشيخان من فوق جمل كان يركبه .
وقد أرسل له الشيخ على أثر هذه الحادثة رسالة بشره فيها ببشارتين أنقلهما من خط سليل دوحة العلم والصلاح المتربع على أعلى قمم المجد والفلاح, محمدى بن محمد حرم بن الشيخ أحمدو بن الشيخ محمد الحافظ رضي الله تعالى عن الجميع: الأولى أن ما وقع له من وقوعه عن الجمل على جنبه الأيمن وعطب فخذه اليمنى وراثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أنه صلى الله عليه وسلم وقع من فوق جمله, رجوعه من خيبر وعطبت فخذه اليمنى ومكث شهرا في المسجد وهو لا يقف وهذه هي الكيفية التي وقعت للشيخان بعينها, والثانية بأن قال له: ما رأيت أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من والدك محمد الطلبة وما رأيت أشبه بوالدك منك .

أداء فريضة الحج :
في هذه السنة (1375هـ) سافر الشيخان إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج, و بعد أن أكمل مناسكه على أتم حال وأحسنه وعفر وجهه الشريف في رمال تلك البلاد الطاهرة وملأ عينيه من تلك الآثار المقدسة ودع مكة المكرمة زادها الله علوا ورفعة وشرفا ومكانة وخرج من بيت الله الحرام قاصدا المدينة المنورة وهو يكاد يطير شوقا إلى زيارة سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين, ولسان حاله ينشد منه قبل أن ينشدها بمقاله :

وكل جمال من جمالك أصله
وكل دواع للغرام فأصلها
تجليت في عفراء عند محبها
فها نحن نهوى الحشرإن صح أننـا
تفرع لا شك في ذاك ولا إطراارا
محبتكم تغري المحب بها إغرا
ما فلولاك ما إن قال ما قال في عفرا
بكم نلتقي بالحشر يا حبذا الحشرا

بعد تحية المسجد النبوي الشريف توجه رضي الله عنه بخشوع وسكينة للسلام على من لا تخيب فيه المقاصد والظنون, على ثمرة الفؤاد وقرة العيون, صلى الله عليه وآله وسلم, ثم سلم على الخليفتين رضي الله عنهما: أبي بكر الصديق وأبي حفص عمر الفاروق. ثم قام بزيارة “أحد” للسلام على حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن دفن معه من الصحابة رضوان الله عليهم, ثم زار أهل البقيع وسلم على سيدتنا فاطمة الزهراء وعلى أمهات المؤمنين و من معهن من قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم .

ولما أكمل رضي الله عنه مراسيم الزيارة قام بتوديع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ولسان حاله ينشد :

ألا يا رسول الله إني سميكم
ألا يا رسول الله إني رجوتكم
ألا يا رسول الله إني محبكم
وإني فقير لاجيء لجنابكم
فهب لي يا خير الخلائق نظرة
بكم أحتمي لا أختشي معكم ضرا
ولاأرتجي زيدا سواكم ولا عمرا
وجار لكم لم يخش جاركم شرا
وإنك مني للذي أرتجي أدرى
تأمنني كيد المعاند والمكرا

بعد عودته من حج بيت الله الحرام, واصل الشيخان أسفاره ورحلاته للدعوة إلى الله ولنشر الطريقة, فزار مناطق أنشيرى وآدرار وانواذيبو, وفي كل هذه المناطق كان إقبال الناس على الطريقة كبيرا وحظهم من الفيضة وفيرا. تحققت بشارة الشيخ التجاني رضي الله تعالى عنه بوقوع فيضة في أصحابه بعد أن ظهر الشيخ إبراهيم وشهد له القاصي والداني بأنه هو صاحب هذه الفيضة فتحرك سره مرة أخرى في موريتانيا وعاشت مدن شنقيط وأطار وانواذيبو وازويرات أجواء الفيضة فتسابق الناس إليها ونهلوا منها وعلوا وسعدوا بها وأسعدوا .
جاب الشيخان البلاد, طولها وعرضها, مستعملا مواهبه ومسخرا قلمه للدفاع عن الفيضة وأهلها والذب عن حمى الطريقة وإمامها مستعملا الحوار الهادئ والنصيحة والإرشاد والتربية, وأحيانا الردود, نظما ونثرا, على المنكرين والعتاب لغير المنصفين, درء عن الطريق…… الخ.. رحمه الله .

زر الذهاب إلى الأعلى